محمد بن جرير الطبري

25

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام ، يقول تعالى ذكره : وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه ، قبل أن ينعم الله عليكم بالإسلام ، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانا ، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم ، فتكونوا من الخالدين فيها ، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له . وشفا الحفرة : طرفها وحرفها ، مثل شفا الركية والبئر ، ومنه قول الراجز : نحن حفرنا للحجيج سجله * نابتة فوق شفاها بقلة يعني فوق حرفها ، يقال : هذا شفا هذه الركية مقصور ، وهما شفواها . وقال : فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها يعني فأنقذكم من الحفرة ، فرد الخبر إلى الحفرة ، وقد ابتدأ الخبر عن الشفا ، لأن الشفا من الحفرة ، فجاز ذلك ، إذ كان الخبر عن الشفا على السبيل التي ذكرها في هذه الآية خبرا عن الحفرة ، كما قال جرير بن عطية : رأت مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال فذكر مر السنين ، ثم رجع إلى الخبر عن السنين . وكما قال العجاج : طول الليالي أسرعت في نقضي * طوين طولي وطوين عرضي وقد بينت العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل . وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا ، وأشقاه عيشا ، وأبينه ضلالة ، وأعراه جلودا ، وأجوعه بطونا ، مكعومين على رأس حجر بين الأسدين : فارس ، والروم ، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه ، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات ردي في النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض ، كانوا فيها أصغر حظا ، وأدق فيها شأنا منهم ، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام ، فورثكم به الكتاب ، وأحل لكم به دار الجهاد ، ووضع لكم به من الرزق ، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين ، وإن أهل الشكر في مزيد الله ، فتعالى ربنا وتبارك . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قوله : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ يقول : كنتم على الكفر بالله ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها من ذلك ، وهداكم إلى الإسلام . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بمحمد صلى الله عليه وسلم يقول : كنتم على طرف النار من مات منكم أوبق في النار ، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فاستنقذكم به من تلك الحفرة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا حسن بن يحيى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها قال : عصبية . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : كذلك كما بين لكم ربكم في هذه الآيات أيها المؤمنون من الأوس والخزرج ، من علماء اليهود ، الذي يضمرونه لكم ، وغشهم لكم ، وأمره إياكم بما أمركم به فيها ، ونهيه لكم عما نهاكم عنه ، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم ، والتي صرتم إليها في إسلامكم ، يعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه قبلكم ، وصنائعه لديكم ، فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم . لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني : لتهتدوا إلى سبيل الرشاد ،